أراء ومقالات الصحف
الخميس 03 أكتوبر 2019 12:53 مساءً

أخيراً انتهت الحرب.. لكن اليمن يدخل عصر المستعمرات

مروان الغفوري

 

 

في عام 2015 بلغ الحوثيون أعلى مستويات قوتهم، وامتلكوا المقاتلات الحربية، لدرجة أنهم كانوا يحركون قواتهم العسكرية على هيئة أفواج ضخمة تحرسها طائرات  الهليكوبتر. بعد شهر من «عاصفة الحزم» استطاع التحالف العربي هزيمة الجزء الصلب من تلك القوة، ودحر الحوثيين من مستوى الجيوش إلى درجة العصابات مرة أخرى.

 

فلقد كان الحوثيون عصابة دينية خرجت من جبال الشمال، ثم رفعهم علي عبدالله صالح إلى مصاف الجيوش، لكن المقاومة والتحالف أعادتهم إلى سيرتهم الأولى، فما كان منهم وهم يهبطون إلى أرض العصابات مرة أخرى إلا أن قتلوا الرجل الذي جعل منهم جيشاً. إن قوة الحوثي الآن أضعف مما كانت عليه قبل أعوام معدودة. أما عنصر قوتهم الأساسية فيكمن في حقيقة أنهم لم يعودوا جيشاً، ولا يمكن للجيوش الحديثة أن تستهدفهم على نحو مباشر.

 

يقاتل الحوثيون منذ ثلاثة أعوام على حدود مدينتي تعز والضالع، ويعجزون عن تحقيق أي اختراق. في الواقع يتقهقرون ببطء. في الأيام الماضية تحدثوا عن عملية عسكرية سموها «نصر من الله» حققوا فيها نصراً  كبيراً على لواء الفتح. وهو لواء سلفي يتبع السعودية بصورة مباشرة، غارق في التطرف والفساد، يملك قائمة مقاتلين من 8 آلاف، وعند هزيمته أفادت المعلومات بأن إجمالي مقاتليه، في الواقع، ليسوا أكثر من ألفي مقاتل. منذ تشكيله يرفض لواء الفتح الالتحام بالجيش كي يبقى قريباً من الله [قال قائده، مراراً، إنه يخشى على عقيدة أفراده]. قرب اللواء من الله لم يحل دون هزيمته في عملية سماها خصمه «نصر من الله».

 

 

تملك السعودية والإمارات تشكيلات عسكرية منتشرة في مناطق واسعة من اليمن، من المخا على البحر على الأحمر حتى المهرة على المحيط الهندي. تتمركز كل هذه التشكيلات العسكرية في مناطق أبعد ما تكون عن خطوط المواجهة مع الحوثيين. أفصحت الإمارات رسمياً عن عدد القوات التي تملكها: 90 ألف مقاتل. وبحسب مصادر صحفية درست حالة التشكيلات العسكرية المرابطة في الساحل الغربي القريب من الحديدة، فإن عدد الآليات العسكرية هناك ربما يفوق عدد الأفراد. في الأسابيع الماضية تواردت معلومات عن أفواج عسكرية، آليات وأفراد، تصل إلى ميناء حضرموت ومطارها. تبعد حضرموت مئات الكيلومترات عن أقرب جبهة عسكرية حوثية. للسعودية تشكيلات عسكرية أخرى، كان لواء الفتح السلفي أحدها. برغم كل ذلك يبدو الحوثي وكأنه قد استعاد زمام الحرب، ويحقق تقدماً، ويفرض شروطه للسلام. إذ كل التشكيلات العسكرية لا تخوض حرباً معه، ولا تقاتل على حدود مملكته. يتحدث الساسة اليمنيون عن معركة نفوذ، ويبدو أن السعودية  اقتنعت مؤخراً بنصحية أوباما سابقاً، في حواره مع أتلانتيك، عن ضرورة تقاسم النفوذ في المنطقة مع إيران. قبل خروج السعودية من المشهد السوري قال مسؤول سعودي رفيع لصحيفة واشنطن بوست إن السعودية تدرك الاستراتيجيات وهي قادرة على رؤية الحرب الخاسرة، وإنها لذلك ستغادر الحرب السورية. وفيما يبدو فقد توصلت للاستنتاج نفسه في الحرب اليمنية.

 

لنستعِد هذا المشهد من الحرب اليمنية: دفعت السعودية الجيش اليمني إلى اقتحام شبوة ودحر القوات الإماراتية، ثم سمحت للإمارات بمهاجمة الجيش نفسه حين اقترب من عدن. تفكر الإمارات بعدن وما حولها من موانئ، وتفكر السعودية بحضرموت وما حولها. ولأن الدولتين، فيما يبدو، قد توصلتا إلى قناعة تقول إنه من غير الممكن هزيمة إيران/ الحوثيين في صنعاء فقد قررتا مغادرة تلك الحرب بالحركة البطيئة وذهبتا تقتسمان ما حصلتا عليه من الأرض اليمنية قبل إنهاء الحرب بشكل رسمي. يتحدث الكتاب الخليجيون عن مستويين من اليمن: عن يمن مهم لأنه كذلك، ويمن مهم لأنه خطر. الإمارات وحليفتها حصلتا على اليمن المهم، في التقدير الخليجي، ويجري الآن تقاسمه بين الدولتين المغيرتين. وفيما يخص اليمن الخطر، الذي بات من الصعب دحر خطره، فسيجري ترحيله إلى المستقبل أو الماضي. أصبح شمال اليمن منصة للمقذوفات الإيرانية، هذا ما تعلمه السعودية. وهي تعيد تقييم ذلك الخطر بمقارنته بجنوب بالعراق. فكما أن  الخطر الكامن في جنوب العراق لا يمكن احتواؤه بالفعل العسكري، بل بالحديث إلى الساسة في العراق مباشرة أو عبر وسيط، فليكن الأمر كذلك مع خطر «يمن الشمال»، أو اليمن المهم لأنه خطِر. ولأجل أن يمضي هذا التدبير الكولونيالي دون إرباكات أو عراقيل فثمة حاجة حقيقية للحفاظ على شرعية الرئيس عبدربه منصور هادي. داخل تلك الشرعية تهندس الدولة اليمنية، وتصرف الأنظار عن البعد الكولونيالي للتدخل السعودي-الإماراتي من خلال رياضيات بسيطة. في تلك الرياضيات البسيطة سيجري التوصل لصيغ معينة من شأنها خفض مستوى التوتر بين «الجهات التي تواجه الحوثي»، مثل إبدال حكومة محل أخرى، أو تعديلات شكلانية في تعريفات الصراع داخل الجبهة (الشرعوية).

 

انتهت الحرب بوصفها عملية شاملة تهدف إلى  إنجاز تغييرات استراتيجية، ودخلت اليمن في مرحلة ما بعد الحرب، حيث يتقاسم المتحاربون الأراضي التي لم يعد لها من صاحب. في السنة الأولى من الحرب العالمية الثانية التقى جنرالات ألمانيا وروسيا في مكان ما في بولندا التي تلاشت للتو، وقال أحدهم لآخر وهو ينظر إلى دخان سيجاره: ها نحن ندخّن بولندا.

 

في الحروب الهجينة، حيث متحاربون عديدون، غالباً ما يفضي المشهد إلى منظر لجنرالات متنافسين يدخنون أرضاً مهزومة، أو يحولونها إلى دخان. لإتمام هذا المشهد تبدو شرعية الرئيس هادي شديدة الأهمية، فهو الوحيد القادر على منح عملية التقسيم مشروعية أخلاقية وقانونية بحيث يجعلها تبدو وكأنها عملية تحرير. في الأيام الماضية هدد الأمير تركي، قائد قوات التحالف، جنرالات في الجيش اليمني قائلاً إن مقاتلات بلده على استعداد للفتك بالجيش إن حاول الاقتراب من عدن. كان واضحاً أن الرجل قد رأى سحابة دخان طالعة من سيجارتين أو ثلاث، وصار بمقدوره حماية ممتلكاته. قبل ذلك قالت الخارجية الإماراتية إن الجيش «اليمني» الذي قصفته على مداخل عدن كان إرهابياً، وإنها دافعت عن مصالحها ومصالح حلفائها، أي نصيبها من التركة. أما شمالاً، حيث إيران، فقد استقرت الأمور منذ زمن. فلم يغير عمّال إيران وجه السياسة وحسب، بل قلبوا الديانة رأساً على عقب، وجاؤوا بالاثني عشرية إلى بلاد لم تكن على مر تاريخها جزءاً من ذلك المذهب. تتصرف إيران في ممتلكاتها بالطريقة التي تراها مناسبة، ولأجل ذلك ستغرق الشمال بالسلاح حتى تبدو ترتيباتها وكأنها قد صارت نهائية. مثل ذلك، تماماً، تفعل الإمارات في الجنوب.

 

انتهت الحرب اليمنية، يمكننا القول، ودخل البلد عصر التقسيم. وسيكون على اليمنيين أن يصارعوا لعقود طويلة للتحرر من احتلال ثلاثي لا يعتمد على الآلة العسكرية وحسب، بل على تشكيلات محلية ضاربة القوة ومستعدة لتقديم كل أنواع الخدمة للمندوب السامي. الدول الثلاث، على نحو مستقل، ستقوم بقمع كل حركة استقلال وطني  تحت ذريعة محاربة الإرهاب، وسيوصف كل من يرفض انهيار الدولة اليمنية على هذا النحو بالإخواني، أو الإرهابي. دخلت اليمن، بأكملها، في عصر المستعمرات، ولم يحدث لها مثل ذلك من قبل في كل تاريخها.

 

*نقلا عن عربي بوست 

 
جميع الحقوق محفوظة لـ [صحيفة الحدث] ©2019