أراء ومقالات الصحف
الاثنين 24 مارس 2008 11:49 مساءً

احترام الخصوصية ... حجر الزاوية في البناء والانتماء

إرشيف الحدث

الخصوصية حق كفله وقدسه الشرع والقوانين في أمور كثيرة حتى فيما بين الزوج وزوجه والأب وابنه , فكل علاقة مهما بلغت روابطها وعمقها تظل خاضعة لحدود شرعية أو قانونية أو عرفية والأدبية والأخلاقية هي الإطار الأوسع للكثير من العلاقات إن لم تكن جلها , وللخصوصية درجات ودوائر تبدأ بدائرة الذات ثم الأسرة ثم الحي وتباعاً القرية و المدينة و الإقليم و الدولة , والانتقاء المحدد في اختيار دائرة ما للتعامل منفصلة عن بقية الدوائر يقلب القواعد وينسف القواعد الشرعية والمفاهيم والأعراف الإنسانية والأخلاقية , ولكل دائرة خصائص وخصوصيات فرضتها الفطرة ونواميس الحياة و الأعراف والتقاليد وأقرتها وكرستها الشريعة , وعموماً فكل خصوصية ليس فيها مخالفة شرعية ولا للذوق والأدب لابد من احترامها , لأن المساس بها والاستخفاف بالآخر ومصادرة حقه والوصاية عليه قد يضيق الأفاق الرحبة و يفسد الكثير من روابط الود و المحبة والاحترام بل ويفقد بكل تأكيد كل عناصر الديمومة , وقد تطال جراء ذلك حتى المصالح مهما بعدت أو قربت شواطئها ومنافعها , وربما يفتح أبواب شر موصدة في الأصل لا داع لفتحها , وقد تتحول باقات الورود إلى حزم حطب ؟ أو أحزمة من نوع حديث , وكل ذلك بسبب مصادرة حق المجتمعات و الاستخفاف بعقولها وفرض الوصاية عليها والتمادي في ممارسة الاستفزاز وعدم مراعاة المشاعر والخصوصية سواء كان شخصية أو اجتماعية أو إقليمية فالخطر يكمن بقدر سعة الدائرة وعدد المنتمين إليها , و بطبيعة الحال هذا يشمل التصرف العفوي فكيف لو كان مقصودا ومتعمداً و أخطرها المبيت والمخطط له , فإنه في أقل الأحوال حينئذ يثير لدي المجروح حالة من الغضب والحنق وهذا أهون الأمور وأخف حالات ردة الفعل , أما الصامت الذي يذكيه الاحتقان الدائم , فهو الذي يفضي إلى ما لا يحمد عقباه , فالمجروح سيحاول أن لا يطول صبره على ما يستعر في أعماقه فهذا الانتقاص يعذبه ويفتفت كبده على الدوام و قد يقبله على مضض لضعفه الآني أو لقلة حيلته أو لجبروت من فرض عليه هذا الحال المهين ولكن بأي حال لن يقبل بدوام ذلك ولن يستطيع مقاومة ما يستعر في أعماقه , بل إن انشغاله بالثأر والانتقام لكرامته ومشاعره المجروحة و التي لم تحترم لن يبرح فكره الذي سيفتق له بين الحين والآخر عن الكثير من الإيحاءات منها ما يخرج عن العقلانية والتوقع أحياناً , فما أن تحين الفرصة التي يتحينها لن يفرط فيها , بل سيتفنن في إدارتها لرد الاعتبار لكرامته ومشاعره المجروحة التي لم تحترم وبخاصة إن لم يستدرك ذلك الخطأ قبل فوات الآوان , وما أثبتته نواميس الحياة المسلم بها أن كل ما يخالف الفطرة والطبيعة لا يدوم ولا دوام إلا للدائم المعبود سبحانه وتعالى , وحتى العقول المجتهدة في تلك الممارسات و عرض عضلاتها بين الحين والآخر قطعاً لن تدوم وإن تعاقبت في نهجها وديدنها فلابد أنها ستذبل وستضمر وستبلى وستموت في يوم ما ومن يلعن سلفه يلعن ولو بعد حين , ولن يكون أمامها حينذ إلا خلودين إما في القلوب أو في غياهب الدروب , إذا فلماذا هذا العناء , و لماذا لا يكون احترام الخصوصية لكل الدوائر الدائرة في فلك الحياة أساس التعامل في كل شي لنعيش حياة مليئة بالحب واحترام الذات والآخر متكاملة القوة والحصانة بعيدا عن أنا وابن عمي و عن العضلات المفتولة والعين الحمراء , ونتفرغ جميعاً للبناء والانتماء الذي لا يؤمن ولا يعترف به قلب مشحون , فطالما استعبد الإنسان إحسانا , أسوق هذا لذوي الألباب والنهى وسواهم لا تثريب عليهم و لكن يستحقون سلاما ...!

جميع الحقوق محفوظة لـ [صحيفة الحدث] ©2019