أراء ومقالات الصحف
السبت 22 مارس 2008 08:31 صباحاً

حكمة صنعاء.. والقضية المشطورة

إرشيف الحدث

حكمة صنعاء.. والقضية المشطورة

هل ستسامحنا الأمة على ظلم أنفسنا بأيادينا ؟! فبعد طول سفر نصل صنعاء من اجل التلاقي والاتحاد، وراب الصدع، ونبذ الفرقة والانقسام، والاتفاق على رفض مبدأ الانقلاب والاستيلاء بالقوة المسلحة على السلطة، يجدنا أخوتنا اليمنيون، أقرباؤنا مع جدنا الكنعاني الأول والأشقاء العرب نخرج من ديار بالحكمة، بلا حكمة ولا حتى غبرة العبرة؟!!! كما خرج فريق من الذين اقسموا في الكعبة عن مبدأ الالتزام بالقسم، وقدسية دم الإنسان الفلسطيني، ليسيطروا بعد حين بقوة السلاح والانقلاب على السلطة بغزة.

حتى الأمس القريب كانت القيادات الوطنية الفلسطينية وعلى رأسها رئيس منظمة التحرير الشهيد ياسر عرفات وسيط خير بين شطري اليمن ومنطلق مبادرات من أجل استعادة السعادة لليمن وشعبه بالوحدة، إلى أن قرر الرئيس علي عبد الله صالح إلغاء صورة وواقع " اليمن المشطور" بالقوة، مستجيبا لإرادة الشعب اليمني بالتوحد واستعادة وحدته التاريخية الطبيعية.

لقد أعلنت منظمة التحرير موافقتها وقبولها المبادرة اليمينية التي أصبحت فيما بعد مبادرة الجامعة العربية كما هي وهذا نصها كما نشر في وسائل الإعلام والتقارير الإخبارية وهي من سبع نقاط هي : " أولا - عودة الأوضاع في غزة إلى ما كانت عليه قبل انقلاب حماس على مؤسسات السلطة، ثانيا - إجراء انتخابات نيابية مبكرة، ثالثا - استئناف الحوار على قاعدة اتفاق القاهرة 2005م، رابعا - العودة إلى تطبيق اتفاق مكة 2007م، خامسا - اعتبار أن الشعب الفلسطيني كل لا يتجزأ، سادسا - السلطة الفلسطينية تتكون من سلطة الرئاسة المنتخبة والبرلمان المنتخب والسلطة التنفيذية ممثلة بحكومة وحدة وطنية، سابعا - الالتزام بالشرعية الفلسطينية بكل مكوناتها ".

لابد من الانتباه إلى أن المبادرة اليمنية لم تتضمن إجراء انتخابات رئاسية مع النيابية المبكرة، لذا من المفيد تذكير الرأي العام أن منظمة التحرير وعبر المجلس المركزي الفلسطيني قد قررت بعد الانقلاب بغزة إجراء انتخابات رئاسية ونيابية مبكرة، وذلك انطلاقا من المبادرات العربية، الأمر الذي يؤكد أن مشكلة رئيسة من ضمن "القضايا المعضلة" هي تعارض برنامجين مختلفين تماما على رأس السلطة الوطنية، برنامج منظمة التحرير  الذي يمثله الرئيس المنتخب أبو مازن، وبرنامج حكومة الأغلبية النيابية لكتلة التغيير والإصلاح التابعة لحركة حماس في المجلس التشريعي.. ويجب ألا يغيب عن بالنا أن شكل المشكلة لا يخفي حقيقة مضمون الخلاف الذي يمكننا تسميته الآن بالصراع الداخلي ما بين تيارين في الوطن : أحدهما اختار السلام كإستراتيجية، وآخر مازال يعتمد السلاح كخيار وحيد لحل قضايا الصراع مع إسرائيل، إضافة إلى صراع خفي بين تيارات فكرية وسياسية وثقافية حول قضايا الحريات العامة، وحقوق الإنسان، وإجمالي النظرة للكيان والنظام السياسي الفلسطيني وعلاقاته الداخلية والخارجية، وكذلك هيكلية السلطة الفلسطينية ومجموعة النظم والمبادئ العامة والأهداف والقوانين، ولعلنا لا نفاجىء أحدا إذا قلنا بأن الذي يحصل هو معركة بين قوى تقدمية تنويرية تحررية تسعى لبناء نظام دولة مستقلة، عصرية منسجمة مع الفكر الإنساني المعاصر، وأخرى تنشد بناء نظام " دويلة الجماعات " الدينية، تبقى في دائرة صراع مع من يخالفها الفكر والعقيدة والمواقف.

قد يكون متوهما من يعتقد أن بمقدور قوى فاعلة ضغطت ودفعت حركة حماس لتبني مبدأ الانقلاب على التراجع، والاعتراف بخطأ الاستيلاء على السلطة بقوة السلاح، واعادة الأمور الى سابق عهدها كما طلبت المبادرة العربية التي هي يمنية بالأصل، لكنا لن نكون واهمين إذا اعتقدنا بقدرة التيار العقلاني الناشئ والصاعد في حركة حماس إذا تبنى المبادرة اليمنية، وصب كل جهوده نحو إقناع باقي تيارات الحركة بضرورة التعامل معها باعتبارها تلبي متطلبات مصالح فلسطينية وطنية عليا، اذا تمت قراءة الواقع الفلسطيني بإخلاص وصدق ومسؤولية وطنية. فخيار الانتخابات التشريعية يجب ألا أن يكون لمرة واحدة في حياة الحركة، وإلا فان التاريخ سيحكم أن الانتخابات كانت " حصان طروادة " للنفاذ إلى قلب قلعة السلطة وللاستيلاء عليها بالسلاح فيما بعد، لذا فان فرصة قوية الآن أمام التيار المؤمن بالتجربة الديمقراطية وبخيار الانتخابات كحل لتداول السلطة سلميا لإعادة الاعتبار لشعب فلسطين، فقد أشاد متحدثون في الحركة بالتجربة التركية واعتبروها نموذجا يمكن أن يحتذى، ما يعني أن نهوض هذا التيار مسؤولية وطنية ستحسب ايجابيا لحركة حماس، خاصة إذا استجابت للمبادرة اليمنية " العربية لأنها بذلك تعزز معنى الانتماء للهوية الوطنية الفلسطينية التي نحن بأمس الحاجة اليها في خضم تحول الصراعات إلى صراعات مذهبية وطائفية ودينية، فالوعي بخصوصية قضيتنا يتطلب تغييرات جذرية في السياسة، والتفكير والأخذ بخصوصية صراعنا الوطني الشامل مع المشروع الصهيوني، وضرورة اختيار أساليب الكفاح المتناسبة مع كل مرحلة وظروفها، وهنا لابد من التنازل من أجل إعلاء شأن المصالح الوطنية العليا لفلسطين وشعبها، فالوطن لكل الفلسطينيين، والحياة اليوم لنا ولأولادنا من أحفادنا من بعدنا، فلا يجوز أن نورثهم الشقاق، الخصام، الصراع، التقاتل، وتعابير التخوين والتكفير، فقد تدوم السلطة بقوة السلاح لمن أخذها كذلك. لكن من يضمن أنها ستدوم للأجيال المقبلة بأمن وسلام ؟! فالشعوب التي لا تكاد تخرج من حروب إلا وتدخل أخرى لا تصنع حضارة، لن يكون لها مكان تحت الشمس. وكذلك الأوطان والشعوب المشطورة، فيا ويلنا إن تحولنا من أهل الحكمة والدعوة للوحدة إلى جماعات انقسام وانشطار!!

 

جميع الحقوق محفوظة لـ [صحيفة الحدث] ©2019