أراء ومقالات الصحف
السبت 15 مارس 2008 01:31 مساءً

يوم النخبة " النسوية "

إرشيف الحدث

اليوم العالمي للمرأة 8 مارس يوم يُكرم فيه نضال المرأة في بقاع كثيرة تخليدا لذكرى الرائدات الأوائل في أمريكا في التظاهرة الشهيرة في بدايات القرن الماضي للمطالبة بحقوقهن، ثم صار تقليدا سنويا لمناصرة مطالب النساء وإبراز منجزاتهن.

 وأصبح اليوم تظاهرة عالمية كرستها ثقافة الأقوى والعولمة، وانعكست على نساء العالم الثالث لكن في صور مختلفة عما هو مفروض، تنطلق فعاليات هذا اليوم من مفهوم السرد الممل للمنجزات التي تحققت للمرأة وما نالته وما ستناله قريبا على أيدي النخبة النسوية، الخطابات والندوات والخطط والاستراتيجيات ...الخ من مفردات التخلف العملي في بوتقة الحياة ستجده أكثر حضورا ولمعانا في هذا اليوم "العظيم".

 في اليوم العالمي للمرأة في بلادنا على سبيل المثال تُكال الخطابات وتزدحم المفردات في أفواه المخضرمات عما وصلت إليه المرأة اليمنية ومن يسمع الحديث يظن أنه لم يتبقى لنا سوى خطوتين على غزو الفضاء، وتكوين مستعمرة باسم المرأة اليمنية، في حين أن الواقع يؤكد أن نسبة الأمية بين النساء تقارب 76% وفقاً لما هو منشور في موقع اللجنة الوطنية للمرأة –إحدى أهم جهات التمثيل الحكومي للمرأة في اليمن- وهذه النسبة ما هي إلا مؤشر يدل على عمق الفجوة بين ما يقال وما يحدث فعلاً، "كتأنيث  ظاهرة الفقر، وجود فجوة بين السياسات الاقتصادية الوطنية في اليمن وأهداف الإستراتيجية الوطنية للتخفيف من الفقر ، إغفال وثيقة الفقر لقضية محو الأمية" وما سبق بعض الواقع الذي تتجاهله جهات التمثيل الحكومي والخاص والمنظمات الدولية  في قطاع المرأة، فالجهات الحكومية تركز على " رسم السياسات والخطط" والتنفيذ على ما يبدو مركون إلى حين ميسرة، أما المنظمات الخاصة والدولية فمعروف أنها تعمل وفق الأجندة الدولية وهي محور الحقوق والحريات " الشخصية والعمل"، ومحور التمكين السياسي للمرأة، وهما يشكلان البعد الثقافي والاجتماعي لحركة التطور في المجتمعات الغربية.

 في حين أن الوضع مختلف تماما في عالمنا العربي والإسلامي فالفجوة كبيرة بين المطالبة بالحقوق والوعي بها أساسا، ووجود الوعي  يتطلب العلم والمعرفة يعني باختصار محو أمية المجتمع نساءً ورجالا  وأطفالا على السواء، ولا تستغربوا الأخيرة فنسبة عالية من الأطفال يتسربون سنويا من المدارس ليدخلوا سوق العمل ذكورا أما البنات ففي البيت أو يتم تزويجهن مبكرا ..!! هذا فقط كمثال على انفصال المعاناة التي تعانيها النساء عن مطالب النخبة النسوية التي وصلت إلى مرحلة كبيرة من التعليم والتنوير في مقابل ملايين من النساء يتسلط عليهن الجهل والفقر والمرض، فمجالهن ليس المطبخ وحسب وإنما هن في المجتمعات الريفية أمهات وعاملات في الحقول وصاحبات أشغال إضافية كتربية الحيوانات والاهتمام بها لتدر دخلا يكفي احتياجاتهم، أي أنهن لا يمثلن فقط نصف المجتمع بل أكثر من ذلك، وشريحة كهذه لا يتم توجيه الخطاب إليها سواءً الإعلامي الحكومي  أو الخاص وكذلك المشاريع والاستراتيجيات والمنح والدراسات والمؤتمرات والموائد المستديرة وجل الاهتمام يكون في الدائرة الضيقة والمحصورة " فئة المتعلمات في المدن الرئيسية".

 المرأة لا تحتاج إلى احتفالات ومهرجانات خطابية في فنادق خمس نجوم وصالات وورش عمل بل هي أحوج لأن تصرف هذه الميزانية في مدرسة لمحو أميتها، أو في زيادة الخدمات الصحية في القرى والمناطق النائية، تحتاج لإنتاج برنامج تلفزيوني أو إذاعي يخاطبها هي باللهجة التي تفهما والأسلوب الذي يقنعها،  تحتاج لمزيد من الاحترام والتقدير على مستوى الأفراد في الأسرة ومستوى المجتمع ككل، تحتاج إلى من يفهم مقدار تعبها في عملها اليومي، إلى من يدعمها معنويا، ويهتم بها ككائن له مشاعر رقيقة تتجمد بالتدريج من حيف المعاملة.

المرأة تحتاج إلى أن تعي حقوقها وواجباتها أن تعي كينونتها وغاية وجودها، أن تعرف كيف تزرع في الآخر- أبا- أخا- زوجا- ولدا- قيمتها في حياته بمحبة وثقة وإخلاص، ليس المطلوب أن يكون المجتمع ساحة حرب للحقوق والحريات وتوتر العلاقة وازدياد موجة العنف ضد النساء بسبب أساليب المطالبة والمكابرة، والتعبئة المستميتة لعقل المرأة.

 المطلوب أولا تنمية وعي نسبي بين الرجال والنساء على السواء، من يطالب بحقوق المرأة هو من يظلمها ويسلبها هذه الحقوق في البيت والشارع والعمل، الرجل بصراحة هو من يدير المعركة بغباء متناهي في العالم الثالث، والضحية كليهما معاً، فالمرأة تزداد احتقاراً للرجل جراء هذه التعبئة، والرجل يزداد كراهية لهذا المخلوق الذي يريد أن ينافسه في كل مكان ويأخذ منه كل شيء..!!

جميع الحقوق محفوظة لـ [صحيفة الحدث] ©2019