أراء ومقالات الصحف
السبت 15 مارس 2008 01:19 مساءً

فقـه المراجعــات

إرشيف الحدث

الاعتراف بالخطأ شجاعة لا ينالها إلا عباد الله المخلصين, وفضيلة توجب لصاحبها رفع القبعات احتراماً وتقديراً!.غير أن ثقافتنا _في بنيتها العميقة_ تكره هذه الفضيلة وتحاربها, مما يسمح بتراكم الأخطاء, إلى الحد الذي تصبح فيه الأخطاء هي الأصل في حياتنا. ولدينا قدرة عجيبة على التكيّف مع الأخطاء والتعايش السلمي معها,تماماً كما تفعل الصراصير مع المبيدات السامة إذا تعوّدت عليها!..وهذا الكلام يصح على الجماعات والأحزاب كما يصح على الأفراد,بل هو إلى الجماعات أقرب.

 

وفي الوقت الذي تبحث فيه الأمم والمؤسسات في العالم المتقدم عن أخطائها بالميكروسكوب, وتصرف في سبيل هذا البحث أموالاً وأوقاتاً وجهوداً طائلة فإن أمة العرب ما زالت تعدُّ تتبع الأخطاء منقصةً ورذيلةً لا تليق بها!, وإن سلّموا_ نظرياً_ أن \"ابن آدم خطاء, وأن خير الخطائين التوابون\", وإن رووا أن نبيهم قال:\" نظّر الله امرءاً أهدى إليّ عيوبي\", وإن تليت عليهم آيات القرآن الناقدة للنبي (ص) وصحابته على الملأ إلى يوم القيامة, وإن علموا أن تراكم الأخطاء يؤدي إلى هلاك الأمم والأفراد. فكل ذلك مما يتم التسليم به على المستوى النظري فقط, وأما على مستوى الواقع التطبيقي فإنهم يلتفون عليه, ويبطلون مفعوله, بوسائل ومبررات مختلفة!. ولسنا مطالبين بدليل على ما نقول أكبر من هذا الواقع الهزيل الذي نحياه, فالأخطاء والأوهام والتفاهات تعيش معنا بكميات قاتلة تحت سقف واحد, ونحن ندلّلها كما يُدلّل الدنمركيون أبقارهم, ونربيها كما يربي الغربيون القطط والكلاب, مع فارق كبير هو أن الأبقار تُدرُّ على أصحابها ثروةً من الحليب والزبدة, وأن القطط والكلاب أليفة لا تقتل أصحابها!.

لم يفرغ المسلمون بعد ليتساءلوا بينهم لماذا يقسم الله سبحانه وتعالى \"بالنفس اللوامة\", وما هذه النفس التي يرفعها الله إلى مصاف الظواهر الوجودية الكبرى التي تستحق شرف القسم بها!..إن الله تعالى لا يقسم بالنفس \"المطمئنة\" ولا بالنفس \"الأمّارة بالسوء\", وإنما يقسم \"بالنفس اللوامة\"!..لأنها النفس (الناقدة) التي تراجع وتصوِّب وتعترف بالخطأ والقصور, فهل هناك أعظم من هذا التكريم لمنزلة النقد؟!.

لقد كان فقة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) و فقه (النصيحة) و فقه (المراجعات) كفيلة بتصويب حركة العرب والمسلمين وتسديدها بما يجعلهم أمة فوق الأمم, ليكونوا \"شهداء على الناس\" كما أراد لهم ربهم, لولا أن هذه المفاهيم قد أُخصيتْ منذ وقت مبكر على أيدي فقهاء الإخصاء السياسي والديني في عصور الانحطاط العظيم!. وبدلاً من تطور هذه المفاهيم باتجاه (نظرية نقدية) شاملة تتصدى لكل جوانب حياتنا الفردية والمجتمعية والحضارية, فقد بقيت هناك في كتب الفقه التقليدي ضامرة تعاني اضطراب الموازنات, وقلق التفاصيل, وقصور الرؤية!. وقد ذكرت (فقه المراجعات) تجوّزاً, وإلا فإنه الفريضة الغائبة في حياتنا الفردية والجماعية, الفكرية والسياسية, وغياب هذا النوع من الفقه عن حياتنا يعني أننا نزعم عدم وجود أخطاء في حياتنا, وهذه وقاحة لا نظير لها!.

 

لقد ترك لنا الأجداد تراثاً طويلاً من العادات والتقاليد والمبادئ والأفكار والتصورات والمسلمات, في كل جوانب الحياة الدينيّة والاجتماعية. وهذا الميراث ليس تحفة أثريّة نضعها في الرف للزينة و(البرستيج)! وإنما هو _بلغة الحاسوب_ برنامج معقد من الأوامر والنواهي والتفضيلات التي توجه وتحدد طبيعة حياتنا, صعوداً وهبوطاً, نجاحاً وفشلاً, إنه البرنامج الأساسي في جهازنا العقلي. فإذا كانت البعرة تدل على البعير, والثمرة  تدل على الشجرة, فإن واقعنا المعاش يدل على هذا العقل الذي نصدر عنه, وعلى هذا البرنامج الذي يشغله. وإن واقعنا المعاش يصرخ بأعلى صوته في وجوهنا قائلاً: هناك خلل كبير في هذا العقل, هناك فيروسات خطرة تعطل عمل البرنامج الأساس. وكان المنطق الفطري والعلمي يقتضي أن نسارع بتزويد جهازنا العقلي بـ(مكافح فيروسات) يكون قادراً على التعرف عليها, وعلى حذفها, وليس هذا المكافح إلا برنامجاً (نقديّاً) متطوراً يتم تحديثه بين الحين والآخر!.

 

والحقيقة أن هذا البرنامج النقدي قد بدأ عمله هنا وهناك منذ زمن, على شكل محاولات فردية لبعض مفكرينا وناقدينا وفقهائنا الأحرار, إلا أنه يلاقي مقاومة شرسة من قطعان العقل التقليدي, الحريص على تثبيت السائد. وهي مقاومة طبيعية ومتوقعة, ناتجة في أغلب حالاتها عن جهل مركب بحقيقة وأهميّة وشروط النقد والتصحيح, وفي حالات أخرى عن رغبة مقصودة في الحفاظ على بعض المصالح الضيقة لهذه الفئة أو تلك.غير أنه مهما كانت هذه المقاومة شرسة فلن توقف مسيرة التصحيح للبناء, لأن الدفاع عن الفشل ليس كالجهاد في الحق, ولئن كان الفشل قادراً على العضّ والّلسع, فإنه غير قادرٍ أبداً على الصمود في وجه الحقائق العلمية!.. , والعلم كما يقول (توبي . هف) هو عدو المصالح السائدة!.

جميع الحقوق محفوظة لـ [صحيفة الحدث] ©2019