أراء ومقالات الصحف
الثلاثاء 11 مارس 2008 08:10 مساءً

هل إلى مخرج من سبيل ؟

إرشيف الحدث

حين يفلت من الأيدي الزمام يصبح الوضع في غاية الصعوبة ، يظهر الارتباك واضحا على من يقودون ، يضيق الوقت الذي يحتاجونه لدراسة بدائل القرارات إلى أن يصبح أضيق من خرم الإبرة ، قد يتخذون قرارا سريعاً ارتجالياً لا يلبثون بعده اتخاذه غير برهة ليروا أن الحاجة أصبحت ملحة لتعديله أو التراجع عنه .. تصبح نسبة المخاطرة أكبر مقابل تناقص فرص النجاح ، أما المركب فيسير دون توجيه متزن وموجه يقوم مساره نحو الهدف ‘ هذا إذا بقي هدف أصلاً .

هذا الوصف هو ما ينطبق اليوم على هذه البلاد وفي هذه المرحلة الحرجة ، بدأ الزمام يفلت ممن ظلوا يعتبرون أنفسهم قيادات هذا الوطن والأوصياء عليه ، المظاهر لم تكن تخفى على أحد وإن حاولوا إخفاءها ، فمنذ 1994 كانت مظاهر الارتجال والفشل بادية على وجه النظام الذي استفرد بالحكم وحول السلطة إلى إقطاعية خاصة بكل من يمت لحزب الحاكم بصلة حتى وإن كان يمثل قمة الفساد والإفساد .. وإن أنشأ إقطاعيات أصغر تتبعه في مناطق مختلفة المهم أن يظل مادحا متزلفاً يسعى لإخفاء ممارسات شاذة وعيوب كبيرة ظلت تنخر في جسد السلطة وتلحق الأضرار بالبلاد طوال هذه السنين .

لم يراجع النظام حساباته ليقرأ هذه المظاهر مبكراً عله يعالجها قبل استفحالها ، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك حين بدا أشد عتواً ونفوراً أمام من يوجهون له النقد ويقرءون له الظواهر فلم يجد من حل إلا العمل على إضعاف القوى السياسية وغض الطرف عن مظاهر السقم التي دبت فيه ، اتجه إلى الشخصنة والشللية بدلاً من المؤسسية ، وسعى إلى التكتم على المظاهر المرضية وإنكارها بدلاً من الوقوف عليها وإشراك الآخرين في حلها باعتبارهم شركاء – فعلاً لا قولاً – ومسئولون عن الوطن .

اليوم أدرك النظام الحاكم أن المظاهر التي ظل يجحدها استفحلت وأصبح بعضها أوراماً سرطانية في جسد الوطن المنهك ، لكن الوقت ضيق ويضيق أكثر ، والارتباك واضح في وجوه صانعي القرار يصدرون القرارات ويخرجون بالمبادرات ثم يتراجعون عنها أو يعدلونها ، والمخاطر محدقة والقشة اليوم أصبحت أمل يتعلقون به (مؤتمرات الاستثمار – المانحين – الانضمام للمنظومة الخليجية) كمخرج من التأزم الحاصل ، والمركب يتأرجح حين ضاعت الأهداف الكبيرة التي رسمت طوال ما مضى من السنوات من تنمية ورخاء .. النهوض الحضاري .. دولة المؤسسات .. التقدم والتطور ، ربما لم تعد هذه هي الأهداف اليوم لأن المطالب اليوم تراجعت إلى : النظر إلى رغيف الخبز حجمه وسعره الباهظ ، سعر البيضة ، الانفلات الأمني خصوصاَ حيث يصنعه النفوذ .. الفساد الذي أصبح الأصل والنزاهة استثناء .. انعدام أبسط الخدمات إضافة إلى ما استجد وتطور من بؤر توتر أريقت فيها الدماء وأصبح حلها مكلفاً أضعاف عن ما لو تم حين ظهور أسبابها ، في حين المواطن يلهث وراء لقمة العيش في ظل ثراء فاحش لمجموعات نهب الثروات والمتاجرة بأقوات الناس .

ربما لم تستفد السلطة الحاكمة من كل الدروس التي لقنت الشعب إياها وتلقنتها هي بممارساتها الموغلة في غباء النعام التي تدس رؤوسها في التراب حين ترى الأخطار تحدق بها ظنا أن هذا القرار أفضل الحلول ، ولو كانت استفادت لأعلنت فشلها دون مواربة ومكابرة ، ولسعت إلى حلول مناسبة بدلاً من الحلول العقيمة التي تقد بها الحفاظ على امتيازاتها وليذهب الوطن إلى الجحيم ، ولتجاوزت التهديدات بالصوملة والعرقنة في حال التغيير أو ما تتبجح به من تداول سلمي للسلطة .

التطويل ليس في صالح أحد والبلاد تمر بأزمات سياسية واقتصادية وحالة تشظي لا يمكن الخروج منها إلا بقرار شجاع يتدارك الأمر إن بقي لمن يمتلك القرار ذرة شجاعة يصنعها بقية عقل في سبيل الخروج إلى بر الأمان .

جميع الحقوق محفوظة لـ [صحيفة الحدث] ©2019