حقوق وحريـات

مغترب يمني عاد بعد غربة 50عاماً ليقتل محاميته التي غدرت به وطعنته في الظهر

الاثنين 25 نوفمبر 2013 12:02 صباحاً الحدث -

 شباب برس - عرض وتحليل‮/ ‬حسين كريش

عاد بعد خمسين عاماً‮ ‬من الغربة خارج الوطن إلى مسقط رأسه بمحافظة تعز،‮ ‬ليقتفي‮ ‬أثرها بعد أن قرر الانتقام منها‮.. ‬ظل‮ ‬يبحث عنها ويترصد لها حتى وجدها في‮ ‬منتصف صباح ذلك اليوم ولمحها وهي‮ ‬واقفة على سلم الدرج في‮ ‬مبنى المحكمة تتكلم مع أحد الأشخاص كان له قضية منظورة بالمحكمة،‮ ‬فسارع إليها بخطواته،‮ ‬وباشرها طعناً‮ ‬بسكين كانت بحوزته وقد استعد بها من قبل لهذا الغرض،‮ ‬والطعنة كانت في‮ ‬بطنها،‮ ‬بحيث هوت على أثرها مرتمية على سلم الدرج نازفة الدماء،‮ ‬وتصرخ متوجعة وقائلة بصوت خافت متقطع‮: ‬قتلني‮ ‬الــ‮... ‬قتلني‮ ‬غدر بــ‮... ‬وأراد هو حينها أن‮ ‬يستأنف هجومه عليها ويكرر طعنها،‮ ‬ولكنه رآها صمتت عن الصراخ والكلام،‮ ‬وبدأت حركتها تتلاشى وتتوقف كأنها أوشكت على الدخول في‮ ‬غيبوبة كبداية لمنازعة سكرات الموت.
 
مكث واقفاً‮ ‬والسكين بيده‮ ‬يحدق بنظراته إليها أو‮ ‬ينفرج عليها،‮ ‬بينما ذلك الشخص الذي‮ ‬كانت هي‮ ‬واقفة تتكلم معه أبتعد مصعوقاً‮ ‬وهارباً‮ ‬مرتعباً‮ ‬نحو داخل مبنى المحكمة وهو‮ ‬يصيح‮ : ‬أنقذوها‮ .. ‬امسكوا الجاني‮.. ‬الرجل طعنها‮.. ‬فتقافز في‮ ‬هذه الأثناء ضابط وأفراد شرطة المحكمة عند سماعهم صوته والتفوا حول الرجل الجاني‮ ‬وهو لم‮ ‬يزل في‮ ‬مكانه،‮ ‬ووضعوا قبضتهم عليه،‮ ‬وليجد نفسه بعد ذلك محتجزاً‮ ‬خلف القضبان وبين جدران أربعة‮.. ‬وها هي‮ ‬التفاصيل من بدايتها‮..‬
 
وفي‮ ‬ذلك اليوم الاثنين والساعة تشير إلى العاشرة صباحاً‮ ‬وصل البلاغ‮ ‬هاتفياً‮ ‬إلى الضابط المناوب بمركز شرطة عصيفرة بتعز،‮ ‬والبلاغ،‮ ‬من ضابط أمن محكمة الشرق في‮ ‬تعز،‮ ‬عن تعرض إحدى الأخوات،‮ ‬وهي‮ ‬امرأة محامية،‮ ‬أثناء تواجدها في‮ ‬مبنى المحكمة لطعنة قاتلة من قبل رجل بشكل مباغت،‮ ‬وهذا الشخص‮ (الجاني‮) ‬تم ضبطه والتحفظ عليه بمكتب أمن المحكمة،‮ ‬بينما المرأة المجني‮ ‬عليها تم نقلها وإسعافها إلى مستشفى الثورة بالمدينة،‮ ‬وعليهم الحضور سريعاً‮ ‬لعمل إجراءاتهم واستلام الجاني،‮ ‬كون المكان من إختصاص المركز‮..‬
 
فانتقلوا من المركز عقب هذا البلاغ‮ ‬إلى مبنى المحكمة،‮ ‬واستلموا من هناك المتهم‮ (‬الجاني‮) ‬مع السكين‮ ( ‬أداة الجريمة‮) ‬وأوصلوا المتهم للمركز ووضعوه رهن الحجز في‮ ‬ذمة الواقعة،‮ ‬ثم اتجهوا متحركين إلى المستشفى حيث وجود المجني‮ ‬عليها لمعاينة حالتها ومحاولة أخذ إفادتها إن سمحت الحالة لها بذلك‮..‬
 
وقد حالفهم الحظ ووجدوا حالة المجني‮ ‬عليها تسمح بالكلام معها عند وصولهم للمستشفى،‮ ‬وكانت لم تزل على قيد الحياة،‮ ‬ولم تسئ بعد وتصل للغيبوبة التامة وخطورة الوفاة‮.. ‬حيث تمكنوا من سؤالها،‮ ‬وأجابت هي‮ ‬بما‮ ‬يفيد‮: ‬إن الجاني‮ ‬عليها والذي‮ ‬قام بطعنها هو شخص‮ ‬يدعى‮/ ‬هشام‮ ‬،‮ ‬وهو الرجل نفسه الذي‮ ‬سبق ضبطه وإيصاله للمركز والتحفظ عليه‮.. ‬وأن الشخص المذكور هاجمها وطعنها فجأة بسكين كانت بحوزته ومستعداً‮ ‬بها سلفاً،‮ ‬وذلك أثناء تواجدها على سلم الدرج في‮ ‬مبنى محكمة شرق تعز،‮ ‬وأنه فعل ذلك بشكل مفاجئ وبطريقة مباغتة لم تكن تتوقعها،‮ ‬ولم‮ ‬يخطر على بالها أنه سيفعلها لأنها كان تعرفة من قبل،‮ ‬وهو رجل كبير السن،‮ ‬ويناهز في‮ ‬عمره ما‮ ‬يتعدى العقد السادس،‮ ‬وبدأ إكتمال الشيب فيه،‮ ‬ومن الصعب تصور إقدامه على ارتكاب ما فعله وهو في‮ ‬ذلك العمر‮..‬
 
وأضافت المرأة رداً‮ ‬على سؤالها عن سبب إقدام الرجل على الإعتداء عليها وطعنها بأن معرفتها بالمتهم كانت منذ فترة‮ ‬،‮ ‬وذلك أنه وكلها كمحامية له في‮ ‬قضية بينه وشخص أو أشخاص آخرين لتترافع عنه بالمحكمة ثم اختلفت وإياه،‮ ‬وألغت هذه الوكالة قبل عدة أيام على إثر اختلافها معه،‮ ‬وامتنعت أن تستمر في‮ ‬الترافع عنه كمحامية له بالقضية التي‮ ‬بينه والطرف الخصم،‮ ‬ويبدو أن هذا ما أغاظه ودفعه لطعنها بنية قتلها وبغرض الانتقام منها‮.. ‬أو هذه كانت إفادة المجني‮ ‬عليها التي‮ ‬حصل عليها رجال شرطة المركز منها‮..‬
 
وكانت المرأة‮ (‬المغدورة‮) ‬كما تبينت لهم خلال ذلك‮ ‬يافعة‮ ‬وناضجة ومتطلعة للحياة،‮ ‬وامتهنت سلك المحاماة بعد تخرجها من كلية الشريعة والقانون بالجامعة لتشق طريقها وتقطع شوطاً‮ ‬في‮ ‬هذا المجال كمحامية جديرة بالكفاءة والقدرة على المنافسة وتحقيق استباق النجاح بين نظرائها في‮ ‬عديد من القضايا التي‮ ‬تولتها وترافعت عنها بالمحاكم‮..‬
 
وإصابتها أو الطعنة التي‮ ‬بها كانت وسط البطن،‮ ‬وغائرة وعميقة بل وخطيرة جداً،‮ ‬وبحسب إفادة الأطباء في‮ ‬المستشفى لقد اخترقت وقطعت أكثر الأحشاء من الداخل،‮ ‬والنجاة‮ ‬منها‮- ‬إذا حدثت‮- ‬تكون بمعجزة الله وقدرته إذا أراد هو ذلك جلت عظمته ومشيئته سبحانه‮.. ‬ولكن كما جاءت به الأيام الثلاثة التالية وظهر ما سبق أن كتب في‮ ‬علم الله وقدره،‮ ‬فإن حالة المرأة المجني‮ ‬عليها قد ساءت خلال هذه الأيام ودخلت في‮ ‬غيبوبة تامة ونهائية،‮ ‬ثم لفظت أنفاسها وفارقتها الروح في‮ ‬مساء اليوم الثالث متأثرة بإصابة الطعنة لتصير جثة هامدة،‮ ‬وتتحول القضية وقتها إلى جريمة قتل‮ ‬،‮ ‬لها إجراءات متغيرة ونوعية تختلف عن تلك المتبعة في‮ ‬القضايا أو الجرائم التي‮ ‬هي‮ ‬أهون وأقل جسامة منها‮..‬
 
إذ اتجه فريق شرطة المركز إلى سرعة طلب مختصي‮ ‬الأدلة الجنائية وإجراء المعاينة الفنية والتصوير للجثة والمكان‮ ‬،‮ ‬والتشديد في‮ ‬التحفظ على المتهم‮ (‬الجاني‮) ‬بنقلة إلى حجز إنفرادي‮ ‬بعيداً‮ ‬عن الأعين حفاظاً‮ ‬على حياته ومنعاً‮ ‬لتسرب أبة معلومة منه وإليه حتى‮ ‬يتم استنطاقه وفتح محاضر جمع الأستدلالات معه،‮ ‬واستيفاء محاضر الأفادات والقرائن المتعلقة بإرتكاب الواقعة وملابساتها،‮ ‬ثم حصر شهود الواقعة وهم‮ ‬الأشخاص الذين كانوا متواجدين في‮ ‬المكان وبالقرب من ساحة وسلم الدرج بالمحكمة أثناء وقوع الجريمة،‮ ‬ومتابعتهم وأخذ شهاداتهم كإثباتات اساسية من ضمن أدلة وشواهد الواقعة إضافة إلى جمع ما أمكن من المعلومات الاستدلالات التي‮ ‬لها صلة بالجريمة من قريب أومن بعيد وحتى النهاية‮.‬
 
وكانت خلاصة ما توصلوا إليه من خلال كل ذلك،‮ ‬ومما لاحظوه وتكشف لديهم،‮ ‬وبالأخص عند فتح المحضر مع المتهم‮ (‬الجاني‮) ‬ومباشرته بطرح الأسئلة عليه،‮ ‬أن هذا تغشته عليه الإبتسامة وإشراقة الوجه والفرحة الغامرة وحينما أخبروه أن المحامية‮ (‬المجني‮ ‬عليها‮) ‬توفت ولقت حتفها قتيلة نتيجة الطعنة التي‮ ‬أصابها بها،‮ ‬وأنه صار متهما‮ (‬قاتلاً‮) ‬عمداً‮ ‬مع سبق الإصرار والترصد‮ .. ‬فلم‮ ‬يظهر عليه ما‮ ‬يشير إلى أنه تأثر وأبتأس أو شعر بشيء من المبالاة والخوف والندم أثناء ذلك على عكس جيع المتهمين بجرائم القتل أو معظمهم الذين‮ ‬يقفون نفس الموقف وتبرز على سماتهم علامات الانهيار والارتباك والخوف والإدراك لبشاعة المصير المنتظر والقريب لكل منهم،‮ ‬وبالذات أولئك مرتكب القتل عمداً‮ ‬مع سبق الإصرار والترصد والذين‮ ‬يعرفون إثبات إدانتهم ويستشعرون النهاية الفظيعة لأي‮ ‬منهم كجزاء محتوم في‮ ‬آخر المطاف،‮ ‬وهي‮ ‬الإعدام،‮ ‬وبعده الاستقرار في‮ ‬جهنم بالآخرة،‮ ‬بل أنه‮ - ‬أي‮ ‬الرجل المتهم‮ - ‬أبدى جرأة وصراحة‮ ‬غير معهودتين ولامألوفتين عندما أجاب على سؤالهم له حول رتكاب لجريمة القتل العمد‮...‬؟ .
 
فقد رد بنبرة مباشرة قائلاً‮: ‬كنت حزيناً‮ ‬في‮ ‬البداية حينما علمت أن المرأة لم تمت وأنها أسعفت للمستشفى وهي‮ ‬ومازالت على قيد الحياة،‮ ‬ولكن بعد أن عرفت وأبلغوني‮ ‬بموتها شعرت بالراحة وبذهاب الغيظ والقهر عني‮ .. ‬وفي‮ ‬الحقيقة وبكل صراحة أنها تستاهل القتل‮ .. ‬وكنت أتمنى لوأ نني‮ ‬أستطيع قتلها أكثر من مرة‮ ‬،‮ ‬بل ومئة مرة،‮ ‬وليس مرة واحدة فقط،‮ ‬كما أنني‮ ‬لست نادماً‮ ‬على ما فعلت،‮ ‬ولن أكون نادماً‮ ‬حتى وأنا أعرف المصير الذي‮ ‬ينتظرني‮ ‬على مارتكبت،‮ ‬وسأكون مرتاحاً‮ ‬ومستعداً‮ ‬لاستقبال ذلك بكل رضى،‮ ‬ويكفيني‮ ‬أنني‮ ‬سوف أواجه الموت‮ (‬الإعدام‮) ‬والذي‮ ‬هو نهاية كل كائن حي‮ ‬طال العمر أم قصر،‮ ‬وأنا في‮ ‬داخلي‮ ‬وكياني‮ ‬ووجداني‮ ‬أشعر بكامل الفرح والسعادة والسرور لنجاحي‮ ‬في‮ ‬القيام بقتل المرأة‮ ( ‬المجني‮ ‬عليها‮) ‬والتخلص منها،‮ ‬ولأني‮ ‬حققت بقتلها ما أريد وأزلت ما كان‮ ‬يحز في‮ ‬نفسي‮ ‬وظل‮ ‬يؤرقني‮ ‬ويعذبني‮ ‬لأيام وليالي‮ ‬طويلة‮...‬و‮.... ‬بقي‮ ‬الأحداث في‮ ‬الحلقة الثانية والأخيرة الأحد القادم إن شاء الله تعالى وإلى اللقاء‮.‬
 
أكثر ما حير ضباط التحقيق واستغربوا له هو ما لاحظوه على الرجل المتهم الجاني‮ ‬عند مباشرتهم لفتح أول محضر معه واستنطاقه‮.. ‬فقد ظهر هادئاً،‮ ‬منبسط المحيا،‮ ‬وشبه ابتسامة تخرج من فمه،‮ ‬كأنه ليس مبالياً‮ ‬بالموقف الذي‮ ‬يواجهة وخطورة جنايته التي‮ ‬فعلها وما‮ ‬يترتب عليها من مصير مجهول مخيف‮ ‬ينتظره‮... ‬بل انطلق‮ ‬يعبر عما مر ويشعر به بداخله بنبرة مباشرة وجريئة وبما تعنيه الصراحة بقوله‮:‬
أصدقكم القول أنني‮ ‬في‮ ‬البداية كنت حزيناً‮ ‬عندما علمت أن المرأة‮ "‬المجني‮ ‬عليها‮" ‬أسعفت للمستشفى وأنها لم تزل على قيد الحياة،‮ ‬ولم تمت،‮ ‬وكدت انفطر من الغيظ والقهر بسبب ذلك،‮ ‬ولكن بعد أن تبلغت بموتها وتأكدت أنها صارت جثة هامدة مودعة في‮ ‬ثلاجة المستشفى أحسست بالانتشاء وغمرتني‮ ‬الفرحة،‮ ‬وذهب عني‮ ‬كل‮ ‬غيظ لأنها في‮ ‬نظري‮ ‬تستاهل القتل،‮ ‬وكنت أتمنى لو أستطيع قتلها مائة مرة وليس مرة واحدة لأن ذلك‮ ‬يشفي‮ ‬غليلي‮ ‬ويريحني‮ ‬أكثر وأكثر ولن أشعر بالندم على قتلي‮ ‬لها‮.‬
 
فكان هذا وغيره ما جعل رجال التحقيق‮ ‬يقفون موقف المستغرب المتسائل والمتحير تجاه الرجل‮ "‬المتهم‮" ‬ويضعون في‮ ‬تفكيرهم حوله أكثر من افتراض،‮ ‬وذلك أنه ربما وصل في‮ ‬اقتهاره من المجني‮ ‬عليها لدرجة لم‮ ‬يعد‮ ‬يستطع الصبر عليها،‮ ‬وأنها لا شك فعلت به شيئاً‮ ‬جعله‮ ‬يتغير نحوها ويتحول بوجدانه وكيانه إلى كتلة من نيران الحقد والكراهية لها،‮ ‬ثم‮ ‬يحصر كل أمنيته وتفكيره في‮ ‬أن‮ ‬يتخلص وينتقم منها كرد فعل على ما فعلته به‮.‬
 
وقد سألوا الرجل المتهم عن فحوى ذلك وسره،‮ ‬والسبب الحقيقي‮ ‬لإقدامه على ارتكاب الجريمة وبصيغة الكيفية ومفردات القصة الخفية لما حدث بينه والمرأة‮ "‬المجني‮ ‬عليها‮" ‬ومعرفته وعلاقته بها من البداية‮.‬
فأجاب المتهم كمن‮ ‬يلخص الأحداث ويفتح الأبواب المغلقة لسرد كل ما هو مكبوت ويختزنه بداخله،‮ ‬معترفاً‮ ‬وقائلاً‮.‬
 
لفترة خمسين عاماً‮ ‬أو تزيد قضيتها من عمري‮ ‬في‮ ‬الغربة وفي‮ ‬بلاد المهجر‮.. ‬تركت أرض الوطن إلى إحدى البلدان العربية الشقيقة وأنا في‮ ‬مقتبل الصباح وانفتاح الشباب الصغير‮.. ‬هاجرت بطموح الرؤية كأي‮ ‬فتى‮ ‬يتطلع لشق طريقه في‮ ‬الصخر من أجل بناء نفسه ومن أجل صنع مستقبله‮.. ‬ولم‮ ‬يكن الطريق هذا‮ "‬طريق الغربة‮" ‬معبداً‮ ‬بالورود ولا بحدائق الزهور،‮ ‬ولكنه كأي‮ ‬مسلك للاغتراب المجهول كان مليئاً‮ ‬بالأشواك والأسلاك الشائكة التي‮ ‬لا ترحم،‮ ‬ومعايشتها تعني‮ ‬المكابدة ومواجهة كل أصناف المشقة والتعب والمعاناة،‮ ‬وعذاب الافتراق والاحتراق،‮ ‬وكذا الم الشوق والحنين إلى الأهل وتراب الوطن البعيد‮.‬
 
عملت في‮ ‬الأعمال الصغيرة والثقيلة،‮ ‬واشتغلت في‮ ‬عديد من المهن التي‮ ‬أجورها كانت ضئيلة ومجحفة‮.‬. أيام وليالٍ‮ ‬مرت كأنها قرون‮.. ‬البعد عن الأهل والأحباب ومكابدة الأمرين في‮ ‬بلاد المهجر ليس بالسهل ولا بالهين‮.. ‬ومع ذلك على مدى خمسين عاماً‮ ‬هي‮ ‬أحلى سنين الشباب والعمر ضاعت من حياتي‮ ‬في‮ ‬بلاد الغربة،‮ ‬تحملت خلالها الكثير والكثير،‮ ‬وواجهت فيها مختلف أنواع البؤس والشقاء والعناء،‮ ‬وصرير الجوع،‮ ‬والسهر،‮ ‬والصبر على كل عسير‮.. ‬ولم أتذمر‮ ‬يوماً‮.. ‬كنت متحمساً‮ ‬ومصراً‮ ‬على صنع المستحيل‮.. ‬على تحقيق كافة أحلامي‮.. ‬كل همي‮ ‬كان أن أجمع أكبر قدر من المال،‮ ‬وأعود إلى الوطن في‮ ‬نهاية المطاف وقد حققت وامتلكت ما حلمت به في‮ ‬تلك السنين الطويلة،‮ ‬وهو أن أبني‮ ‬منزلاً‮ ‬وأسرة،‮ ‬وأصنع مستقبلاً‮ ‬عن طريق الاستثمار في‮ ‬أي‮ ‬شيء لكي‮ ‬أستقر في‮ ‬الوطن وأعيش كأمير أنا والعائلة‮.. ‬وهذا كان طموحي‮ ‬وحلمي‮.‬
وما تطلعت إليه خلال سنوات الغربة‮.. ‬ولكن‮.. ‬وآه من لكن‮..!‬؟
 
فلقد حدث في‮ ‬السنوات الأخيرة أن اختلفت أنا وأحد الأشخاص الذي‮ ‬خانني‮ ‬وقام وأخذ عليّ‮ ‬عمارة أو عقاراً‮ ‬يقدر ثمنه بالملايين مقابل شيكات‮ ‬غير مقبولة الدفع‮.. ‬ووصل هذا الخلاف بيني‮ ‬وبينه إلى النيابة والمحاكم،‮ ‬وقمت من أجل ذلك بعمل تفويض للمرأة المحامية لتكون وكيلتي‮ ‬وتتولى الترافع بإسمى في‮ ‬قضية النزاع بيني‮ ‬وغريمي‮ ‬بالنيابة والقضاء‮.. ‬وكنت مؤمنا لها وواثقاً‮ ‬فيها بأنها ستكون وفية لي‮ ‬ومخلصة معي‮ ‬وعند حسن الظن كونها ممثلة لي‮ ‬في‮ ‬القضية حتى النهاية‮.. ‬وقد أعطيتها الكثير والكثير من المبالغ‮ ‬المالية مقابل اتعابها ولم أقصر معها من البداية وبشكل متتابع،‮ ‬بل وأغدقت عليها بما هو أكثر من ذلك‮.. ‬غير أنه للأسف وبعد فترة ليست بالقليلة والقضية من محكمة إلى محكمة والغرامات‮ "‬التكاليف‮" ‬من مئات الآلاف إلى مئات الآلاف،‮ ‬أفاجأ مؤخراً‮ ‬وبين ليلة وضحاها بأنها أي‮ ‬المحامية قد خانتني‮ ‬وطعنتني‮ ‬في‮ ‬الظهر،‮ ‬وأنها ضيعت حقوقي‮ ‬وأموالي‮ ‬التي‮ ‬قمت بجمعها وكانت ثمرة‮ ‬غربتي‮ ‬طيلة خمسين عاماً‮ ‬في‮ ‬بلاد المهجر،‮ ‬وتسببت قصداً‮ ‬وعمداً‮ ‬في‮ ‬نسف كل ما هو لي‮ ‬ومن حقي‮ ‬نسفاً.
 
‬وليس ذلك وحسب،‮ ‬ولكنها قامت في‮ ‬الآونة الأخيرة بإلغاء تفويضي‮ ‬ووكالتي‮ ‬لها كمحامية تمثلني،‮ ‬وتسجيل هذا الإلغاء والتصديق عليه في‮ ‬مكتب وزارة الخارجية بتعز ليكون شرعياً‮ ‬ورسمياً،‮ ‬وذلك ما كان بمثابة الضربة القاضية التي‮ ‬وجهت لي‮ ‬منها،‮ ‬والصدمة التي‮ ‬جعلتني‮ ‬أدور حولي‮ ‬نفسي،‮ ‬وأفقد عقلي،‮ ‬وأحس كأنها الطعنة التي‮ ‬قصمتني‮ ‬من العمق‮.. ‬فلم أعد أدري‮ ‬ما أفعل بعد ذلك،‮ ‬ولم أستطع التحمل،‮ ‬وكدت أجن‮.. ‬ثم قررت تحت نيران القهر التي‮ ‬اشتعلت بداخلي‮ ‬ووساوس الشيطان التي‮ ‬استولت عليّ‮ ‬وقذفت بي‮ ‬للشعور باليأس أن أنتقم منها‮ (‬أي‮ ‬من المرأة المحامية‮) ‬والانتقام منها هو بقتلها وإن كان ذلك لا‮ ‬يكفي‮ ‬لإشفاء‮ ‬غليلي‮ ‬ولا‮ ‬يحقق الجزاء الكامل على ما فعلته بي،‮ ‬وعلى ما ارتكبته بحقي‮ ‬من‮ ‬غدر وخيانة من وجهة نظري‮.‬
 

 

ثم عدت من بلاد المهجر إلى الوطن بتعز ورحت أبحث عنها وأقتفي‮ ‬أثرها وأترصد لها حتى عثرت عليها في‮ ‬صباح‮ ‬يوم الواقعة ورأيتها وهي‮ ‬على سلم الدرج في‮ ‬مبنى المحكمة فسارعت اليها وكنت قد تجهزت باقتناء سكين من الصنف الحاد اشتريتها من السوق سلفا وأخذت أحملها بحوزتي‮ ‬أينما ذهبت لذات الغرض وباشرتها بطعنها بالسكين في‮ ‬بطنها بمجرد اقترابي‮ ‬منها وبلا كلام أو سلام قاصدا قتلها وكنت أريد استئناف الطعنة لها حتى أراها تموت بين‮ ‬يدي‮ ‬وأتأكد من تحقيق انتقامي‮ ‬بانتهائها ولكن فوجئت خلال ذلك بتقافز الناس وشرطة مبنى المحكمة والتفافهم عليّ‮ ‬وإمساكهم بي‮ ‬بحيث وجدت نفسي‮ ‬واقعا في‮ ‬قبضتهم وعاجزا عن فعل أي‮ ‬شيء،‮ ‬وما فكرت فيه وكان همي‮ ‬في‮ ‬تلك الأثناء بعد القبض عليّ‮ ‬واسعاف المرأة المجني‮ ‬عليها هو ان أسمع وأتاكد بأنها لفظت أنفاسها وماتت نتيجة الطعنة‮ ‬غير انهم أبلغوني‮ ‬يومها أنها فاقت في‮ ‬المستشفى وظلت على قيد الحياة وكدت أنشق كمدا وحسرة عند سماعي‮ ‬ذلك وحزنت كثيرا ثم بعد إعلامي‮ ‬بخبر وفاتها شعرت بالارتياح وزال عني‮ ‬الحزن وهكذا كانت الواقعة‮..‬